السِحر والشعوذة: حل كاذب وفخ مُدمر

إب7برس Ibb7press
تقرير: طاهر الزهيري

طلاسم وتعويذات أو حجابات رُسمت وكُتبت عليها رموز وكلمات وأرقام وحروف مبهمة، بالإضافة إلى وجود بعض الإبر والخيوط والشعر والدم أحياناً. لقد تفشت ظاهرة الشعوذة والسحر بقوة، حيث تلجأ النساء في أغلب الأحيان إلى هذه الأعمال الخبيثة بغية جلب محبة رجل أو السيطرة عليه، أو ربما للتخلص منه، أو الانتقام من امرأة أخرى، فيما تعتقد بعض النساء أنه ينفع للتداوي والاستشفاء ثم يكتشفن في النهاية أنه حل كاذب، وفخ مدمر، لهن ولأسرهن وللمجتمع.

 

ويُعدُّ السحر والشعوذة من أخطر الأعمال لإيذاء الآخرين ومحاولة السيطرة عليهم، وهما يحملان في ثناياهما سلوكيات انحرافية لا عقلية، ويمثلان عالماً غريباً مليئا بالخوف والرهبة ومحاولة خبيثة لاكتشاف الغيب ومنح الضعفاء قوةً للسيطرة والاستبداد والعبث بحياة الآخرين.

 

لم ولن أسامحها

“تزوجته وأنا بكامل قواي العقلية، ولا أعاني من أي مشكلة، وفي أول أيام عرسنا، لم أطقه دون سبب، أختلق الأعذار للابتعاد عنه” هكذا تقول رويدا ياسين، التي كانت لا تعلم بأن امرأة أخرى كانت تريد زوجها وتحبه. تضيف رويدا: ” لقد صارحتني هذه المرأة بأنها سحرتني وبأنها تابت إلى الله وتتمنى أن أسامحها، ولكن هذا بعد سنين من العمر وبعد أن تطلقت أيضاً، ولكني لم أسامحها ولن اسامحها حتى اللحظة.”.

 

تجربة قاسية

تقول فتاة تبلغ 26 عامًا، (تفضل عدم ذكر إسمها) : تدهورت حالتي النفسية وأصبحت أفكاري كلها سوداوية، وبدأت أترك صلاتي وإذا قرأت القرآن أضيق وأنام، وبعد ملاحظة أهلي في البيت على حالتي بدأوا بالاهتمام بي، ولكن دون تغيير لحالتي ثم شكَّوا في إصابتي بالعين وأخذوني لقارئ، وأخبرهم بأنه سحر، وتحولت حياتي تماماً، حيث بدأ العذاب والإرهاق والتعب وازدادت الأفكار والأوهام في رأسي، ولكن أهلي (ضغطوا عليَّا) بالقوة في القران والصلاة والالتزام وكلما (ضغطوا) زادت آلامي وأوجاعي وظهرت الكثير من البقع والعلامات في جسدي، وكنت أفقد الوعي ولا أعلم ماذا يحدث وأستقيظ منهارة مُتعبة.

 

وتواصل “استمر أهلي بأخذي إلى جلسات رقية في أماكن مختلفة، أصبحت حياتي مجدوَلة حتى في أكلي أستيقظ لأبدأ بأكل سبع حبات تمر عجوة، ثم أشرب ماءً بها رقية شرعية،  ثم أغتسل به أيضا، بالإضافة لأذكار الصباح وقراءة القرآن والصلاة، تعبت كثيرًا كثيراً واستمرت هذه الحالة لمدة سبعة أشهر تقريباً وبدأت حالتي تتحسن تماماً.

 

رؤية شرعية

موقف الدين الإسلامي واضح من السحر والشعوذة، وهو موقف حاسم، وذلك بتجريمه وسد كل الطرق المؤدية إليه، وحرم تعلمه وتعليمه وممارسته، فجاء في القرآن الكريم، قوله تعالى:{  يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله …}(البقرة: 102)

 

يقول الشيخ عبدالستار، إمام أحد المساجد: ” إنَّ تفشي السحر والشعوذة إنما يعود إلى ضعف الإيمان والبعد عن الله، والدين يحرم إتيان السحرة والعرافين، ويعتبره كفر، والعياذ بالله من هؤلاء. “.

 

رؤية قانونية

يفيد القاضي مجاهد ضيف الله الشامي، محكمة غرب إب، أن عقوبة السحر في الشريعة الإسلامية والقانون اليمني وفقًا إلى ما ذهب إليه الفقهاء بأن عقوبة الساحر القتل لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (حد الساحر ضربة بالسيف) وعند الزيدية السحر حد مستقل عن غيره من الحدود ولذلك يقتل الساحر حدًّا لمجرد إتيانه السحر، وعند الحنفية والمالكية والحنابلة والإباضية والشيعة الإمامية يقتل الساحر ويكون قتله ضمن حد الردة لأن أفعال السحر من وجهة نظر هولاء تندرج ضمن الردة، وعند الشافعية لا يقتل الساحر إلا إذا قتل بسحره أي قصاصا، أما قانون الجرائم والعقوبات النافذ فلم ينص على عقوبة السحر كعقوبة مستقلة للسحر وإنما تندرج ضمن أفعال الردة، لأن كثير من أفعال السحر تندرج ضمن أفعال الردة كالاستعانة بغير الله، إضافةً إلى أن طرق تعلم السحر تكون في الغالب من أفعال الردة مثل الانتعال بالقران الكريم أو كتابته بدم نجس عياذًا بالله.

 

وأضاف، “يمكن تطبيق نص المادة (310) عقوبات على الساحر والمشعوذ المتضمنة عقوبة الاحتيال؛ حيث نصت هذه المادة على أنه (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات أو بالغرامة من توصل بغير حق إلى الحصول على فائدة مادية لنفسه أو لغيره وذلك بالاستعانة بطرق احتيالية (نصب) أو اتخاذ اسم كاذب أو صفة غير صحيحة) وهذا النص ينطبق على تلك الأعمال.

 

الطب النفسي وعلاقته بالسحر والشعوذة

يقول الاختصاصي النفسي علي غالب: “السحر حقيقة، ولكن هناك فرق بين المريض النفسي والمريض بأعمال السحر، فإذا عجز الطب النفسي عن معالجته يمكن أن يرجع للمعالجة بالطرق الدينية، ومعرفة ما إذا كان مسحوراً أم مريضاً نفسياً؟ لأننا نسمع حالياً أن كل من لديه أمراض نفسية أو حالة اكتئاب يتهمونه بالمسحور والمعيون ويزيدونه مرضاً “.

فيما يقول الدكتور محمد علي الجلال تخصص طب بشري،: ” الأمراض الروحية كالمس والعين والسحر لا يؤمن بها ولا يعترف بها إلا من يؤمن بالغيب وبوجود الجن بوصفهم خلقًا من خلق الله، وعليه هناك من يعترف من الأطباء النفسيين بوجود تدخلات وآليات نفسية تؤثر على الصحة النفسية للإنسان، وهذه الآليات والتغيرات تحت مظلة العين والسحر والمس، والقدرات الإيحائية التي تؤثر على الإنسان.”

 

النساء أكثر من يلجأ للسحرة والمشعوذين 

من جهته أكد الإخصائي الاجتماعي، تخصص إرشاد تربوي، الأستاذ فهمي الدغيش، أن النساء أكثر من يلجأن للسحرة والمشعوذين وذلك لعدة أسباب، أهمها تفشي الجهل لا سيما في مجتمع الريف، وكذا تأثير العادات والتقاليد، نظرًا لسهولة الوصول إلى العراف والساحر؛ ناهيك عن عدم قدرتهن مقاضاة كل من يأخذ حقهن أو يعرضهن للظلم، وأيضا التكوين العاطفي للمرأة يعرضها للاستغلال الدائم لدى الجانب الذكوري الذي بالمقابل تشكل حالة الذكورة أمامه عائق ذهني ووجودي.

 

ممارسات ضارة وفق مجلس حقوق الإنسان

في العام 2021م، وخلال الدورة الـ47 لمجلس حقوق الإنسان، اعتمدت الدول الأعضاء قرارًا بشأن القضاء على الممارسات الضارة المتّصلة باتهامات السحر والاعتداءات الشعائرية.

وهذا القرار هو الأول من نوعه الذي يدعو إلى اعتماد نهج أكثر شمولًا في معالجة الضرر الناجم عن الاتهامات بممارسة السحر والاعتداءات الشعائرية، كما يقر أيضًا بأهمية العمل الذي تضطلع به الخبيرة المستقلة المعنية بتمتع الأشخاص المصابين بالمَهَق بحقوق الإنسان في هذا المجال.

 

مراكز العلاج بالقرآن الكريم 

زرنا 6 مراكز في إب للعلاج بالقرآن الكريم والرقية الشرعية، والتي كانت تكتظ بالنساء، وحاولنا إجراء حديث مع المعالجين لكن رفض أغلبهم التحدث إلينا بصفتنا صحفيين، ومن المعالجين من تحدث إلينا بشرط أن لا نصوره أو نذكر اسمه، قال: ” قبل فترة جاء الأمن (وأخذونا) (وظلينا) فترة طويلة بالسجن، وحققوا معنا للبحث عن القراء الحقيقيين والذين يعالجوا بالقرآن الكريم، والآخرون الذين يعملون في الشعوذة والسحر، ولكننا اكتشفنا أن من يعملون في هذه الأشياء خرجوا مبكراً من السجن بينما نحن الذين نعالج بالقرآن والرقية (ظلينا) فترة طويلة “.

وشاهدنا أنه في كل مركز هناك اختلافات، فبعضهم لا يوجد إلا القارئ بالمركز فقط، وبعضهم لديه غرف انتظار وسكرتارية، وآخر لديه أيضًا غرفة خاصة بالزيوت والأعشاب، وآخر يقرأ (بميكرفون) ومكبر صوت “سماعة”، ورواد المراكز كثيرون ولكن من الملاحظ أن أكثرهم من النساء.

 

رأي راقٍ شرعي

ويلفت معالج بالقرآن الكريم بواسطة الرقية الشرعية في منزله بأحد أرياف المحافظة أن انتشار ظاهرة السحر ناتجة عن البعد عن الله تعالى، وعدم الخوف منه، بالإضافة إلى الجهل عند بعض الناس ولو وجد الخوف من الله لما وجد السحر، لأنه من أتي ساحر فلم يصدقه لن تقبل له صلاة 40 يومًا، ومن أتاه فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد، وأيضاً لا يوجد تحكيم لشرع الله.

 

ونوه إلى أن أكثر حالات السحر في النساء، نظرًا للبعد عن الله وكتاب الله والتبرج وعدم المحافظة على الأذكار وقراءة القرآن، وكون المرأة ليس لديها القدرة على المواجهة،  مثلًا شخص قام بأذيتها وهي لا تستطيع أن تأخذ حقها بيدها فتلجأ إلى مثل هذه الأعمال. مُشيرًا إلى أن الحل يكمن في الرجوع إلى الله وإلى كتابه، والمحافظة على الصلاة في أوقاتها، والمحافظة على الأذكار وقراءة القرآن الكريم.

 

أكثر الحالات نساء

” أكثر ما يصلني من حالات تكون من جنس النساء ” الشيخ عبدالقادر، قارئ معالج بالقرآن الكريم، يقرأ في بيته على الحالات التي تصله، يقول ” الدجالون والمشعوذون يفرحون بالنساء ضعيفات الإيمان، ويجنون الكثير من الأموال والذهب منهن، ويدَّعون بأنهم يعرفون الغيب وقادرون على تغيير المستقبل والأقدار، ونعوذ بالله مما يدعون ويفعلون، ويقعن في فخ الكذب، ودمار الأسر والبيوت، والشرك والكفر والعياذ بالله، وأكثر الضحايا كذلك من النساء، بسبب الغيرة من بعضهن البعض، أو تعداد الزواج، أو لأسباب تافهة تستغرب أحياناً أن تكون هذه أسباب أو دوافع لما يقمن به”

أخيراً، المشعوذون والسحرة استطاعوا أن يحتالوا على الكثير من المجتمع، من كل الفئات سواء الأميين أو المتعلمين والمثقفين، وجنوا بعض الأموال، مقابل حلولهم الخرافية والسحرية والاستعانة بالجن والشياطين، وتلاعبوا بآمال الناس، ليكتشف كل من ذهب إليهم أنه وقع في حل كاذب وفخ مدمر.

 

(تم إنتاج هذه المادة ضمن مشروع غرفة أخبار الجندر اليمنية التي تنفذه مؤسسة ميديا ساك للإعلام والتنمية)