‏  3 دقائق للقراءة        487    كلمة

امرأة في الثامنة من العمر

إب7 press
جلال الدعري

في السوق المركزي، سوق شعبي وسط مدينة إب، تجتمع فيه كل أنواع التجارة والبيع والشراء، فتجد فيه الخضروات والفواكه، المشروبات المأكولات، الملابس والأحذية، الصيدليات والصرافة، محلات الذهب والفضة، والباعة الجائلين وأصحاب البسطات، مسالخ اللحم والدجاج والكثير الكثير ..

يتوسط كل هذا الزخم الطفلة ” زينب ” التي تعول اسرتها المكونة من خمسة اشخاص وأمها السادسة، بخطوات مهزوزة وجسد نحيل حد المجاعة وملابس مهترئة جداً.

مدت يدها الصغيرة نحوي تطلب المال، نظرت إليها متعجبا، دققت في ملامح وجهها الشاحب يكاد أن يكون جلد وعظم، عاودت النظر إلى يدها الممزوجة بالسمرة والإحمرار من أثر الشمس وأصابع يدها النحيلة كأنها اقلام رصاص لا تقوى ان تحمل حزمة من الخبز لتذهب بها إلى إخوتها الصغار.

تجاهلت طلبها والحاحها للحصول على المال مني، وسألتها ما اسمك، أجابت بنظرة استغراب ” زينب “، قلت لها يا زينب ما لذي أخرجك إلى السوق هذا الوقت وأنت صغيرة والساعة الآن ما يقارب السابعة بعد المغرب، ردت علي بكل برود قائلة : عادي أنا أخرج كل يوم وما أخاف من شيئ.

شدتني عبارة كل يوم فوجهت لها عدة أسئلة دفعة واحدة بقولي لماذا تخرجين كل يوم هذا الوقت المتأخر، وأين تسكنين وكيف يسمح لك أبويك بالخروج.

ردت علي مندفعة، أبي قد توفى منذ زمن، وليس لي سوى أمي وإخوتي الخمسة،وأمي هي عارفه أنني اخرج، أصلاً هي اللي تقلي أخرج كل يوم من أجل أجلب عشاء لهم، ثم أن المخيم قريب من هنا.

تعجبت واندهشت من فصاحتها ومن قولها بأن امها تعرف وأمها هي التي تأمرها بالخروج لجلب وجبة عشاء للأسرة، مما خيل إلي وأنا أراها طفلة كبيرة تعول أسرة كبيرة بعد أن مات رب هذه الأسرة.

عاودت السؤال مجدداً من حيث انتهت هي بقولها المخيم، قلتِ أن المخيم قريب، ماذا تقصدين، هل أنت من ساكني مخيم النازحين في مجمع الراشدي ؟

ظهرت ايمائة خجولة بحاجبيها الصغيران السوداوان، وأكدت بنعم، قلت لها، ولكن أنت صغيرة جداً، لماذا لايخرج غيرك؟ قالت أنا علي العشاء وأختي عليها الصبوح، وقطعت حوارنا ذلك بجملة جادة ” هيا يا عم، هات لي حق الخبز ما اشتي أتأخر “.

قدمت لها النزر اليسير، وحاولت أن أفهم أكثر عنها وعن أسرتها وهل تدرس هي وبقية إخوانها قائلاً لها تدرسين؟ لكنها كانت قد ابتعدت عني وردت من البعيد بقولها إن شاء الله، ومضت في طريقها تكمل ما خرجت من أجله وسط كل ذلك الزحام، وهذا الزخم البشري والمادي والإقتصادي تاركة خلفها أسرة بلا أب بلا مأوى سوى مخيم للنازحين القادمين من المناطق المتضررة من الحرب.

طفلة لا يبدو أنها تجاوزت الثامنة من العمر، لكنها في الواقع امرأة تعمل المستحيل من أجل أطفالها، وها هي تتحمل مسؤولية أسرة بكاملها، خمسة أطفال وأم، بكل شجاعة وإصرار وتحدي.