(حين يتحول الخطأ إلى ترند)
ماذا يحدث للأعمال الفنية على فيسبوك؟
إب7برس Ibb7press
رأي | طاهر الزهيري
لم يعد من الصعب ملاحظة أن قطاعاً واسعاً من “منتقدي” الأعمال الدرامية على فيسبوك لا يشاهد العمل بدافع التذوق أو الفهم، بل بدافع اصطياد الهفوات.
ولذلك تتحول المشاهدة من تجربة جمالية إلى عملية تفتيش بحثاً عن أي زلة، مهما كانت صغيرة، لتحويلها إلى مادة إثارة تجلب الإعجابات والتعليقات والتفاعلات.
هذا السلوك لا يخدم الفن ولا النقد، بل يختزل العمل الإبداعي في خطأ معزول خارج سياقه، ويقتل متعة التلقي ومعنى الجمال.
في الجانب الآخر تظهر إشكالية أكثر خطورة حين يترك خطأ مقصود أو تتجاهل هفوة يمكن تداركها قبل النشر، فقط من أجل صناعة ترند أو خلق ضجيج سريع حول العمل.
إن كان هذا السلوك معتمداً فهو إساءة مباشرة للفريق الفني، وللقناة وإدارتها، ولثقة الجمهور، لأن الضجيج المصنوع عبر الخطأ لا يبني قيمة فنية ولا تاريخاً للعمل، بل يحوله إلى حديث عابر قائم على الإثارة لا على الجودة.
تتعقد المشكلة أكثر في ظل غياب جهة تقييم مستقلة تقيم الأعمال وتكرم الجيد منها، وغياب نقد مؤسسي محترم يفهم الفارق بين الرأي والملاحظة والنقد المنهجي.
في هذا الفراغ يتسيد ما يمكن وصفه بغوغاء السوشيال، منشورات سريعة، أحكام انفعالية، وسجالات بلا أدوات تحليل، قد تضر بالعمل وطاقمه، وقد تضلل الجمهور أكثر مما تنيره.
النقد الفني الحقيقي ليس سباً ولا تشهيراً، وليس انطباعاً عابراً مكتوباً بلحظة غضب أو سخرية، النقد قراءة واعية للعمل في سياقه، تفكيك لبنيته الدرامية، للتمثيل، للإخراج، للإيقاع، وللغة البصرية، مع محاولة الفهم قبل إطلاق الحكم.
أما الرأي فهو حق شخصي مشروع، والملاحظة تسجيل لتفصيلة قد تصيب أو تخطئ، بينما السباب والتجريح خروج كامل من دائرة النقد إلى دائرة الإساءة.
تصاعد ظاهرة التدقيق المفرط واصطياد الهفوات في الفترة الأخيرة لا ينفصل عن طبيعة منصات التواصل نفسها، ودراسات الإعلام الرقمي تشير إلى أن الخوارزميات تكافئ المحتوى المثير للانفعال، خصوصاً الغضب والسخرية والفضائح، لأنه يولد تفاعلاً أعلى.
ومع ثقافة الترند السريع يتراجع الصبر على المشاهدة المتأنية، ويستبدل الفهم بالاختزال، فيصبح الخطأ الصغير أهم من العمل كله.
ورغم هذه الفوضى يمكن للفنانين وفرق العمل أن يستفيدوا من بعض ما يكتب دون الانجرار وراء الضجيج. التمييز بين النقد الجاد والمحتوى الانفعالي ضرورة، وكذلك قراءة الملاحظات المتكررة بعين مهنية.
حين تدار هذه الآراء بوعي يمكن تلافي أخطاء لاحقة، أو تعديل ما تبقى من الحلقات إن كان العمل ما يزال قيد التصوير، وتحويل النقد الحقيقي إلى فرصة تطوير.
في النهاية، الخطأ ليس عيباً، فكل إنسان يخطئ، وكل فنان قد يقع في هفوة، والمعيب هو تحويل الخطأ إلى وسيلة تسويق، أو تحويل النقد إلى شتيمة، فالفن يستحق نقاشاً ناضجاً يحترم الجهد والاختلاف، لأن النقد الحقيقي شريك في البناء



























