النساء العاملات في إب .. الأكثر إنتاجاً الأقل أجوراً
إب7 press
طاهر الزهيري _ أسرار الدحان
تقدم المرأة في محافظة إب وفي باقي محافظات الجمهورية نموذجا مثاليا في التضحية والوفاء والتفاني، فبالإضافة لكونها تلعب دوراً كبيراً وبارزاً في بناء النظام الأسري، فقد برز دورها الحيوي أكثر في ظل الحرب الجاثمة على صدر الوطن منذ سنوات، فقد تحملت جراء ذلك مسؤوليات كبيرة، فأصبحت تعمل بدأب وكفاح لتعيل أسرها بكل همة واقتدار.
- تدني الأجور
وتفيد نساء عاملات التقت بهن « إب7 press » أن أغلبية النساء العاملات بالأجر اليومي أو الشهري في المحافظة أجورهن ضئيلة ومتدنية، وطبيعة عملهن هش، فلا توجد عقود عمل خطية ولا احترام لقوانين العمل والاتفاقيات الجماعية، بالرغم من زيادة انتاجهن مقارنة بالذكور.
يقول نائب المدير العام لشؤون السياسات في منظمة العمل الدولي:” على الرغم من التقدم المحرز والتعهدات المقطوعة لمواصلة التحسين لأجور المرأة، لا تزال التقديرات المحتملة للمرأة في عالم العمل بعيدة عن أن تكون مساوية للرجل “.
ويضيف، ” وفيما تراجعت نسبة النساء العاملات في أعمال أسرية في البلدان الناشئة طوال العقد المنصرم، فإنها لا تزال مرتفعة في البلدان النامية حيث تبلغ 42 في المائة في عام 2018، مقابل 20 في المائة للرجال، دون وجود دلائل على حدوث تحسن بحلول عام 2021. ونتيجة لذلك، ما زالت نسبة تواجد المرأة في الاقتصاد غير المنظم كبيرة في البلدان النامية “.
تواجه ” أم أحمد ” امرأة ثلاثيين عاملة في كافية خط الثلاثين، وسط مدينة إب صعوبات كثيرة في العمل إلى جانب الأجر المتدني الذي تحصل عليه والذي لا يتجاوز الألف الريال، أقل من دولارين، يومياً والذي تستهلك نسبة منه للمواصلات اليومية، لكنها مضطرة للعمل بعد فقدان زوجها الذي كان يعيل أولادهم السبعة، ونزوحها وأسرتها من محافظاتها التي تقع على خط النار، وهي تعمل من الساعة السابعة صباحا وحتى الثامنة ليلا.
كما تعاني ” بدور ” امرأة خمسينية في شغلها كعاملة نظافة صباحاً داخل مدرسة أهلية، مقابل مبلغ زهيد حد وصفها وأنها تعيل أسرة كاملة ولا يكفيها مرتبها، ولكنها تقوم بنفس العمل نهاراً في مركز طبي حتى تتمكن من توفير مبلغ يكفي من تعولهم، وهي تعمل بدوامين، ولكنها تفضل ذلك على ألا تمد يدها للناس كما قالت.
- عراقيل إجتماعية
تُعد الفروق في معدلات البطالة بين المرأة والرجل في البلدان المتقدمة صغيرة نسبياً، بل تسجل بطالة النساء معدلات أقل من بطالة الرجال وعلى النقيض من ذلك، لا تزال معدلات بطالة النساء في مناطق مثل الدول العربية وشمال أفريقيا تبلغ ضعفي معدلات بطالة الرجال مع استمرار عرقلة الأعراف الاجتماعية السائدة لمشاركة المرأة في العمل المأجور وفيق تقارير دولية.
بشرى (اسم مستعار) خريجة جامعية، قسم ترجمة، بتقدير عام جيد جداً، ومع ذلك لم تجد عملاً حتى هذه اللحظة، حتى تساعد زوجها الذي تعرض لحادث مروري أفقده القدرة على الحركة والعمل ” أحاول جاهدة للبحث عن عمل أو مهارة أستطيع من خلالها دفع إيجار الغرفة التي نسكن فيها مع أطفالي الثلاثة”.
- تحرش ومضايقات
تتعرض النساء العاملات في مجالات عدة كالمطاعم والكافيات للعديد من المواقف المهينة والساخرة والخادشة للحياء، بالإضافة إلى سيل جارف من التحرش من قبل الزملاء والمدراء وكذلك الزبائن.
توضح ابتهال الشراعي، أخصائية اجتماعية، أن النساء العاملات يشعرن بالانكسار نتيجة ما تمر بهن في عملهن، لكنهن في هذه الظروف لا يستطعن حتى الذهاب لطبيب نفسي لشرح ما يشعرن به من انكسار، وإذلال، وعدم الاكتفاء الذاتي، بسبب وضعهن المادي وصعوبة الظروف المعيشة، علاوةً على أن يدفعن لطبيب، لذا يصمتن ويتحملن آلمهن وانكسارهن.
فيما تقول الدكتورة بدريه السادة أخصائية اجتماعية: ” تصلنا مئات الشكاوى من قبل نساء تعرضن للتحرش، في مختلف القطاعات التي تعمل بها ليس فقط في المطاعم، بل أيضا في المكاتب والمستشفيات”.
وتضيف أن ذلك يدفعهن في أحيان كثيرة لتقديم استقالتهن، أو كما يسمى “ترتيب أوضاع” وهو غياب العاملات لفترة عن العمل، في مقابل الخصم من راتبها، بهدف التخلص من التحرش الذي يتعرضن له كونهن يتحرجن من الحديث حول مواضيع كهذه.
من جهتها تتحدث آمال محمد، تعمل بدوام ليلي كممرضة في أحد المستشفيات قائلة:” أتعرض للإهانة والتحرش بشكل متواصل ممن يسكنون الحي نتيجة ظروف عملي الصعب، لذلك اضطررت لتغيير مكان سكني عدة مرات مع أمي ووالدي المتقاعد وأطفالي الأربعة الأيتام”.
- المرأة الريفية الأشد معاناة
تواجه المرأة في محافظة إب تحديات كبيرة، ففيما يفضل أرباب العمل في المدينة النساء نتيجة أجورهن المتدنية وتفانيهن واخلاصهن في العمل، هناك في الريف ما هو أسوأ من كل ذلك، فالمرأة تتحمل كافة أعمال المنزل وتربية الأبناء وتعمل في الزراعة وتقوم بأعمال شاقة عديدة، منها جلب الحطب من مسافات بعيدة جدا، وكل ذلك بلا أدنى اجر.
- مجتمع ذكوري
بعض النساء يفضلن العمل بدلا عن بقائهن في المنزل، بينما يفضل أغلب الرجال العكس حسب استطلاع اجريناه على عينة مختلفة من جميع الشرائح في مجتمع محافظة إب فكانت النتائج أن 94% يفضلون بقاء المرأة في البيت بينما 6% يتمنون إيجاد فرص عمل للنساء ولأسباب تتفاوت، أهمها مساعدتهم في مصاريف المنزل.
أم جميل (36) عام، تقول: ” نحن نحصل على فرص عمل، ولكن ما يعيق هذه الفرص أحياناً خوف الأهل على المرأة، ووقت الدوام الطويل حيث أنه تقع على عاتقنا مهام كثيرة كالطبخ ورعاية الأطفال وكبار السن أحياناً، وأسوا ما يحدث لنا في العمل هو التحرش وهو ما يجعلنا أحياناً نرفض العمل أو نبتعد عن بعض الأعمال التي فيها يكثر الرجال وخاصة عند وجود نوعية من المتحرشين”.
تؤكد منظمة العمل الدولية أن ” تحقيق المساواة في الأجر مع الرجل قد يستغرق أكثر من سبعين عاما “، فلا يزال هناك تحديات جسيمة تواجه المرأة في إيجاد العمل اللائق والحفاظ عليه.
جاء ذلك في تقرير صادر عن منظمة العمل الدولية بعنوان ” المرأة في العمل: الاتجاهات عام 2016″، حيث يعرض التقرير أحدث بيانات المنظمة عن وضع المرأة في أسواق العمل في 178 بلدا حول العالم، كما يدرس العوامل الكامنة وراء هذه الاتجاهات ويستكشف الدوافع السياسية لإحداث تغيير جذري.
وفي هذا الشأن، قال لورنس جونسون من منظمة العمل الدولية، إنه وعلى الرغم من المكاسب المتواضعة لا يزال واقع ملايين النساء في بعض المناطق أسوأ مما كان عليه في عام 1995، حيث لم تتغير نسبتهم في سوق العمل تقريبا خلال السنوات العشرين الماضية.
وأضاف: “على مدى العقدين الأخيرين، لم يترجم تقدم المرأة في مجال التعليم وإنجازاتها إلى تحسينات في عالم العمل.
وعلى الصعيد العالمي، فإن الفجوة بين الجنسين فيما يخص العمل قد انخفضت فقط ب 0.6 في المائة بين عامي 1995 و2015، وهذا يعني أن التقدم في توفير مزيد من فرص العمل للنساء، إما غير كافٍ أو لم يتغير”، ووفقا للتقرير فإن الفجوة بين الجنسين في العمل هي الأعلى في الدول العربية وفي شمال أفريقيا وجنوب آسيا.
- حلول متواضعة
تحاول بعض الجهات الحكومية في محافظة إب المساهمة في خلق فرص عمل تليق بالمرأة، فقد أسس مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل بمحافظة إب عددًا من المؤسسات والجمعيات الداعمة لقضايا ومناصرة المرأة في مجال التعايش، والتدريب والتأهيل، وبناء السلام.
تؤكد خولة الشرفي، مديرة مكتب شئون المرأة في محافظة إب لـ”إب press 7″، حرص المكتب على إيجاد شراكة حقيقية بين الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، إذ تم إنشاء إدارة متخصصة بالمرأة، ومراكز متخصصة بتمكينها وتنفيذ برامج تأهيلية في جميع القضايا المتصلة بالمرأة.
وتواصل حديثها،” خلال النصف الأول من عام 2021 تخرج من اتحاد نساء اليمن في المحافظة ما يزيد عن 700 خريجة في أغلب التخصصات من الخياطة والتطريز، وصناعة البخور والعطور، والحلويات، وصناعة الاكسسوارات.
وتشير الشرفي إلى أن مشاريع التمكين الاقتصادي والتأهيل المهني للمرأة تنتشر بإب في كل مديريات المحافظة بما فيها مديريات الأرياف، إذ بلغ عدد المستفيدات من مشاريع التمكين الاقتصادي عام 2020 ما يزيد عن 1775 امرأة تم تمكينهن بمشاريع مختلفة، وخلال النصف الأول من سنة 2021 استفاد من أنشطة التمكين الاقتصادي ما يزيد 1130 امرأة.
وتشدد الأستاذة خولة على أهمية تنفيذ العديد من المشاريع والأنشطة التي تخدم المجتمع بما فيها المرأة والشباب، لرفد سوق العمل بالمنتجات المحلية، داعية منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية والأجنبية أن تقدم أغلب المنح للمشاريع والأنشطة التي تخدم المجتمع.
- فجوة مهولة
يبدو أن المرأة في محافظة إب كغيرها في بقية المحافظات اليمنية وأغلب المحيط العربي، تواجه إشكاليات عديدة وعقبات دائمة، سواء من ناحية العمل والإنتاج ونوعية المهنة وظروف العمل والأجور المتدنية، أو من ناحية نظرة المجتمعية القاصرة، وهذا كله سيؤثر على معدلات النمو الاقتصادي ويقلص فرص التنمية، إذ يغيب نصف المجتمع عن المساهمة في البناء ويشكل هذا بالطبع فجوة مهولة على كافة الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية وغيرها.



























